الراغب الأصفهاني

18

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

كتصور المعقولات وتعلم الصناعات واكتساب الاخلاق الباب الخامس في تكوين الانسان شيئا فشيئا حتى يصير إنسانا كاملا الانسان يكون أولا جمادا ميتا قال اللّه تعالى ( وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ) وذلك حيث كان ترابا وطينا وصلصالا ونحوها . ثم يصير نباتا ناميا كما قال اللّه تعالى ( وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ) وذلك حيث ما كان نطفة وعلقة ومضغة ونحوها . ثم يصير حيوانا وذلك حيث ما يتبع بطبعه بعض ما ينفعه ويحترز من بعض ما يضره . ثم يصير إنسانا مختصا بالأفعال الانسانية وقد نبه اللّه تعالى على ذلك في مواضع نحو قوله ( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) الآية . وقوله ( أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ) فأول ما يظهر فيه قوة النزاع الموجودة في النبات والحيوان ثم قوة تناول الموافق ودفع المخالف ثم الحس ثم التخيل ثم التصور ثم التفكر ثم العقل فهو لم يصر إنسانا إلا بالفكر والعقل الذي به يميز بين الخير والشر والجميل والقبيح . وإلى العقل أشار اللّه تعالى بقوله ( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) * فالانسان بعقله صار معدن العلم ومركز الحكمة . ووجود العقل فيه في ابتداء الامر بالقوة كوجود النار في الحجر المحتاج في أن يري « 1 » إلى الاقتداح وكوجود النخل في النوى المحتاجة في أن تثمر إلى غرس وسقي . وكوجود الماء تحت الأرض المحتاجة

--> ( 1 ) من وري الزند إذا خرجت ناره